وطأة اليقين: محنة السؤال وشهوة الخيال

صدرت الرواية عن دار "سؤال" للنشر والتوزيع في بيروت، في نهاية عام 2016، في 380 صفحة من القطع المتوسط. وأهدى الكاتب عمله الروائي الأول إلى مدينة "أوستند" البلجيكيّة التي يقيم فيها.

فازت هذه الرواية بجائزة كتارا للرواية العربية في دولة قطر عام 2017، وهي أهم جائزة للرواية في البلدان العربية. كما تُرجمت إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية عن مؤسسة كتارا عام 2018.

تدور أحداث الرواية حول الثورة السورية منذ انطلاقتها وحتى عام 2013، بطريقة مختلفة وغير مباشرة، وغير غارقة في الأحداث والتفاصيل اليومية. لا يوجد فيها بطل مركزي واحد، إذ يمكن اعتبار كل شخصية من شخصيات الرواية بطلاً مركزيًا. تجري أحداثها في رقعة جغرافية واسعة ومتنوّعة تشمل: بلجيكا، المغرب، سويسرا، الولايات المتحدة الأمريكية، تونس، ليبيا، مصر، إسرائيل، سوريا، لبنان، تركيا، كردستان، العراق، وتنتهي في بلجيكا.

تطرح الرواية العديد من أسئلة الحياة والموت، والحب والكراهية، وأسئلة الثورات والأحلام والخيبات والانكسارات، من خلال تناول تجارب وسِيَر بشر داخل الواقع السوري وخارجه، والتشابكات والتعقيدات المتداخلة فيه. وتهدف الرواية إلى تسليط الضوء على التورّط الدولي والإقليمي في المأساة السورية، إلى جانب إبراز وجود تفاعل إنساني أجنبي مع الثورة والمأساة السورية.

في هذا العمل، جرى توظيف تقنيات متعدّدة مثل: فن الرسائل، القصة، الشعر، المسرح، التحليل السياسي، الحوارات الفكرية والعادية، والمونولوغ. كما أن إيقاع الزمن أو الخط البياني للزمن متعرّج وملتبس، وتُمنح الأولوية في العمل للأمكنة.

في هذا النص السردي الروائي، ثمّة اشتباك مع السرديات التاريخية، عبر إضافة أحداث متخيّلة، هدفها الطعن في الرواية الرسمية للأحداث.

تتضمّن الرواية أيضًا أمثلة عن قصص اغتيال سياسي، وقصص حب تنتهي بالموت. وغالبًا ما تنشأ هذه القصص بين شخصين مختلفين في القومية أو الدين، مثل: (كاترين البلجيكية وكمال التونسي)، (جورجيو الإيطالي وإيلس البلجيكية)، (الشاب المسلم والفتاة المسيحية)، (الجنيّة المسلمة والشاب المسيحي)، (المقاتلة الكردية والجندي التركي)، وغيرها.

استخدم الكاتب في هذه الرواية تقنية التقمّص وتناسخ الأرواح، إلى جانب توظيف البُعد الصوفي والفلسفي ضمن السرد، كما وظّف لغة الشعر في النثر الروائي.

تتناول الرواية حكاية معارض سوري (علوي) يساري، من عائلة متديّنة، قضى 15 عامًا معتقلًا. وبعد خروجه من السجن، اتجه إلى الكتابة. أصيب بحالة يأس وإحباط شديدين نتيجة فشل عملية الإصلاح من الداخل، وتسمّم المجتمع السوري بالفساد واستمراء الاستبداد. أعادت له الثورة التونسية نبض الحياة والأمل، وتفاعل مع هذه الثورات بوصفها ولادة جديدة له وللشعوب والأوطان والمجتمعات. وازداد أمله حين اندلعت الثورة السورية.

تم اعتقاله في جمعة "آزادي" (20/5/2011)، إذ كانت المظاهرات السلمية تنطلق يوم الجمعة، ولكل جمعة اسمها الخاص. قضى المعارض تحت التعذيب، وقتله ضابط أمن كان أحد أبناء قريته وزملائه في الدراسة الابتدائية. جرى استئصال أعضائه، وأُرسلت عبر شبكات الاتجار بالأعضاء إلى أوروبا.

وصلت تلك الأعضاء إلى بلجيكا، وزُرعت في أجساد ثلاثة أشخاص يعيشون هناك: رجل كونغولي، وفتاة ألمانية تعمل في بنك (ING)، وشاب إيطالي يدرس في جامعة بروكسل الحرة. تُحدث هذه الأعضاء تغيّرات في كيمياء الأشخاص الثلاثة، من حيث الاهتمامات والأمزجة والمواهب، فيميلون نحو الثقافة والأدب والفن، ومناصرة الثورة السورية ومتابعتها عن كثب. تتراءى لهم أحلام وكأنهم عاشوا في سوريا.

تتشكّل مجموعة من الموالين للثورة، من ضمنهم هؤلاء الثلاثة، ويطرح أحدهم فرضية مفادها أن التغيّرات التي طرأت على شخصياتهم وميولهم وأمزجتهم ناتجة عن هذه الأعضاء، لا سيما أنهم أجروا عمليات الزرع في المستشفى نفسه. تبدأ رحلة البحث عن بصمة الـDNA الخاصة بكل عضو، ويُكتشف التطابق، وأن هذه الأعضاء تعود لشخص واحد.

تتفق المجموعة على ضرورة معرفة هوية الشخص الذي تعيش أجزاء من روحه في أجساد هؤلاء الثلاثة، باعتبار أن العضو حين يُستأصل يكون حيًّا، أي ما زال يحمل جزءًا من روح صاحبه، وقد انتقل هذا الجزء إلى جسد المتلقي وأثّر فيه.

في إطار حبكة بوليسية، وبعد رحلة شاقّة، يتم التعرّف إلى صاحب الأعضاء، ويتبيّن أن له أخًا ضابطًا منشقًا يعيش في مخيمات اللجوء في تركيا، وأن صديقه ورفيق دربه في السجن والسياسة كاتب سوري أرمني يعيش في السويد. يتم التواصل مع الضابط المنشق، وفحص بصمة الـDNA الخاصة به، ومقارنتها مع نتائج الـDNA للأعضاء المزروعة في أجساد الثلاثة، ليتأكّد نهائيًا أن الأعضاء تعود لشخص واحد، هو شقيق هذا الضابط المنشق عن النظام السوري.

يُكشف جانب من سيرة هذا المعارض من خلال شهادة شقيقه الضابط وصديقه الأرمني. فقد كان صاحب الأعضاء قد ترك أربع رسائل مطبوعة لدى صديقه الأرمني، إضافة إلى أوراق مشتركة غير مكتملة، كانت مشروع عمل روائي مشترك بينهما. توزَّع هذه الرسائل، بالترتيب، كمحطات ضمن سياق السرد، من دون الإفصاح عن اسم صاحبها.

بعد انتهاء ماراثون التعرّف إلى هوية وحياة صاحب الأعضاء، تتفق المجموعة على جمع كل هذه الأوراق، وسرد رحلة البحث عنه وعن هويته، ونشرها في كتاب. وأثناء اصطحاب الأشخاص الثلاثة للصديق الأرمني إلى مطار بروكسل، يفقد الأربعة حياتهم نتيجة حادث سير، إذ تصطدم شاحنة كبيرة بسيارتهم. وتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة، مع بقاء سؤال: من سيكمل مشروع الكتاب؟ ومن سيروي هذه الحكاية؟ من دون الإشارة إلى ما إذا كان حادث السير عرضيًا أم مدبّرًا وعن سابق إصرار.