أوجلان ومساعي إبادة الكرد


أيعقل أن يتحوّل "زعيم كردي" إلى ألدّ أعداء الحقوق القوميّة للكرد كشعبٍ وأمّة، التي ينصُّ عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان للحقوق السياسيّة والمدنيّة؟ سؤالٌ قد يبدو غير منطقيٍّ وغريبًا لمن ترسّخت لديهم تلك الصورة النمطيّة لأوجلان بوصفه زعيمًا قوميًّا يساريًّا ثوريًّا داعيًا للحقوق والمطالب القوميّة الكرديّة.
هذه الصورة النمطيّة الساذجة لها ما يدعمها من تجربة أوجلان عندما كان في دمشق على نفقة نظام حافظ الأسد من 1979 وحتّى 1998. لكن، بعد عمليّة "اختطافه"، أو بالأحرى إعادته إلى عهدة المكان الذي خرج منه (الدولة العميقة في تركيا)، والحفاظ على حياته أكثر من الحفاظ على حياة رئيس تركيا أو رئيس وزرائها أو وزير دفاعها، اهتزّت تلك الصورة النمطيّة الأسطوريّة لأوجلان.
الحقُّ أن ما صرفته تركيا على إعداد وتحضير وتربية وتنشئة وحماية ورعاية أوجلان منذ 1969 وحتى اللحظة يفوق التوقّعَ والتصوّرَ، ناهيك عن كونه يفوق ما صرفته تركيا على رجب طيب أردوغان أو دولت باخشلي نفسيهما.
من مراهقٍ معدمٍ فقيرٍ بائسٍ، تركمانيِّ الأمِّ، من غير المعروف مَن هم أبناءُ عمومته أو خؤولته، يضربُ شقيقه الصغير بالحجارة، ثم يضرب والده بالحجارة، ويسرق من جيب الأب عشر ليرات تركيّة ويهرب من البيت، إلى فتى متديّن محافظ، ثم إلى عضو في جمعيّة الشباب "الذئاب الرماديّة" التابعة لحزب الحركة القوميّة التركيّة (MHP)، ثمّ الانضمامُ إلى اليسار التركي، وصولاً إلى تشكيل حزب قومي يساري كردي متطرّف هو حزب العمّال الكردستاني يقود كفاحًا مسلّحًا ضدّ تركيا، إلى مدّاحٍ لأتاتورك والجمهوريّة التركيّة والعلاقة التاريخيّة الكاذبة بين الكرد والترك؛ تلك هي خلاصة أحوال تطوّر شخصيّة أوجلان وتشكُّل زعامته.
في الظاهر يبدو للبعض أن أوجلان (1979-2000) هو بالضدّ من أوجلان (2000-2026)، لجهة المطالب والوعي والتحوّلات والمراجعات الكبرى، وأن أوجلان الحالي أفضل بكثير من أوجلان السابق، على اعتبار أن النسخة السابقة منه ماضويّة تقليديّة قوميّة – يساريّة، والنسخة الحاليّة تقدّميّة حداثويّة وطنيّة ديمقراطيّة إيكولوجيّة شديدة المعاصرة والتمدّن. والقطيعُ الأوجلانيُّ الذي انخدع بالنسخة الأولى من أوجلان هو نفسه المنخدع بالنسخة الثانية أيضًا. لكن هذا القطيع لا يكيل التهم للنسخة الأولى على أنّها كانت متخلّفةً تافهةً غبيّةً قومويّةً يسارجيّةً عصابيّةً ومتهوّرةً، لمجرّد أنّها كانت تطالب بـ"تحرير وتوحيد كردستان"، بينما أوجلان الحالي لديهم هو قمّة في التنوير والنهضة والإصلاح والسموّ والصعود والصمود الفكري والأخلاقي.
يعني، حين تبنّى القطيع النسخة الجديدة من أوجلان، لم يُدن أو يلعن النسخة القديمة لما تسبّبت به من كوارث اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة ونفسيّة للشعب الكردي. بالنسبة لهم، أوجلان القديم جيّد ومحترم وزعيم القضيّة الكرديّة، وأوجلان الجديد أكثر جودةً وروعةً وجمالاً وزعيمٌ للقضيّة القوميّة الكرديّة، بالرغم من أنّه لا يجيد الكتابة باللغة الكرديّة، ولا يقف بالضدّ من المطالب والحقوق القوميّة الكرديّة وحسب، بل يشطنها ويحاربها ويشوّهها، ويسعى إلى نمذجة تركيا متخيَّلة لديه، ويدعو الكرد إلى الاندماج في هذا النموذج المتخيَّل السابح في بحر أوهام الافتراضات الأوجلانيّة.
نظرًا لما لاقاه الشعب الكردي من ظلمٍ وجورٍ وغبنٍ واضطهادٍ وقمعٍ وصل إلى مرحلة الجينوسايد الحقيقي الجسدي الفيزيائي والجينوسايد الثقافي المعنوي، كانت البيئةُ الخصبةُ لظهور زعيمٍ يطالب بحقّ الكرد في الدولة المستقلّة جاهزةً تمامًا. ذلك المناخ التوّاق إلى ظهور زعيم كردستاني جامع مخلّص ثوري، يلتفُّ الكردُ حوله إلى درجة الهوس والعبادة، عزّز من مكانة أوجلان وأكسبه قدرًا من الأسطرة والنمذجة. وحين رأى أوجلان تلك الهشاشة في حاضنته الشعبيّة، زاد من مستويات تصدير نفسه بوصفه نبيًّا؛ إذ لم يدّعِ النبوّة، لكنه شبّه نفسه بالأنبياء: المسيح، محمد، إبراهيم… إلخ، ما شكّل قناعةً راسخةً وإيمانًا مطلقًا لدى حاضنته بدوره النبوي التاريخي العظيم، بل اشتطّت الطاعة العمياء لدى البعض إلى إخراجه من دائرة النبوّة وإضفاء صفات الألوهة عليه. كل ذلك، وأوجلان يلعب دوره المسرحي المتأفّف من مظاهر التقديس، المتعفّف والهارب منها، في حين أنه راضٍ تمامًا عن ذلك، لأن طقوس العبادة تلك كانت تُريح وتشبع نرجسيّته الطاغوتيّة المتفاقمة.
هكذا كان أوجلان (1978-1999): مدّعي الهروب من السلطة، ويفتك بمن ينازعه عليها. زاهدًا في الدنيا و"متزوّجًا" القضيّة، ومن غير المعروف عدد الفتيات اللاتي اعتدى أوجلان عليهن. يدعو إلى الثورة والقتال، وهو لم يغادر مقرّات إقامته في دمشق إلى جبال كردستان ولو ليومٍ واحد. أحيانًا كان يمنع التدخين عن عناصر حزبه بحججٍ وشعاراتٍ واهية، بينما لا يحرم نفسه من ملذّات الحياة. لا يملك قرشًا واحدًا في البنوك، بينما كانت حياته في دمشق حياة هارون الرشيد المعاصر؛ الحزب، بقيادته ومقاتليه وجماهيره وإعلامه واقتصاده، كلّه من ممتلكات أوجلان، من دون وجود صكٍّ قانوني يؤكّد ذلك. ما حاجته إلى الصكوك والعقود طالما الواقع كان هكذا؟
باختصار؛ أوجلان (1978-1999) كان مدّعيًا ونصّابًا كبيرًا، ودجّالاً ودكتاتورًا كبيرًا، وزعيمًا جبّانًا يمتلك زئيرًا، لكنه نمرٌ من ورق. كان زعيمًا كرديًّا صنعته غرف تركيا المظلمة والمغلقة وفرضته على الكرد. وبعد افتضاح أمره من قبل الصحفي التركي أوغور ممجو، كشف أوجلان عن علاقته بالمخابرات التركيّة، وزعم أنه خدعها وأخذ منها المال لتأسيس الحزب، فصدّقته الحاضنة وكذّبت أوغور ممجو الذي جرت تصفيته بتفخيخ سيارته سنة 1993.
وعليه، المرحلة الأولى من دور أوجلان، أو النسخة الأولى منه، أكملت دورها وأنهت مهامّها منذ 1998، وارتأت تركيا ضرورة الإسراع بإعادته إلى حضن أمّه الحنون تركيا، وقد جرى ذلك ضمن مسرحيّة "المؤامرة الدوليّة على أوجلان"، فعلت تركيا ذلك، لئلا يخرج الحزب وجماهيره من تحت سيطرة تركيا، عبر بيدقها أوجلان.
تركيا العميقة تبهرنا بكتابة السيناريوهات، وتركيا الرسميّة أيضًا، بحيث جعلت الكرد يدخلون النفق الأوجلاني منذ 1978 ولا يعرفون كيفيّة الخروج منه حتّى هذه اللحظة.
دور أوجلان من 1978 ولغاية 1999 تركّزَ على ربط الكرد به، ومعاداة الحركة التحرريّة الكرديّة في تركيا والعراق وسوريا وايران. لم يبق حزب كردي في تركيا، لم يدخل أوجلان في صراع معه وأباده. لم يبق حزب كردي في العراق ولم تدخل الجماعة الأوجلانيّة في حرب معها. وكذا الحال في كردستان العراق. بينما أكثر الأحزاب الكرديّة المتضررة من الجماعة الاوجلانيّة كانت في سوريا. ذلك أنّ أوجلان وبدعم من المخابرات السوريّة، كان يشرف على مخطط إتلاف وإضعاف الحركة الوطنيّة الكرديّة في سوريا. والنتيجة الحالية هي حاصل جهود أوجلان السابقة واللاحقة في كردستان سوريا. ناهيكم عن تدمير وتهجير 4500 قرية كرديّة في كردستان تركيا، والعبث بأمن واستقرار كردستان العراق، والعلاقة الوشيجة والوطيدة والعميقة مع نظام الملالي في طهران. كل ذلك، وتركيا تتفرّج وتصفّق لابنها المدلل، وعميلها الذي خدم وطنه ولمّا يزل يخدمها، "قائد الشعب الكردي" عبدالله أوجلان.
النسخة الثانية من أوجلان 2000-2026 هي أشدّ خطورة وملعنة من النسخة الأولى. لماذا؟ لأنّ أوجلان يريد فرض نموذجه لحل القضيّة الكرديّة باعتباره النموذج الأجمل الوحيد الأوحد، الأكثر عقلانيّة وحداثيّة ووطنيّة وديمقراطيّة ليس للقضيّة الكرديّة وحسب بل لكل القضايا القوميّة في العالم. ولأنّ أوجلان ربّى حاضنته وقطيعه على كل طقوس السمع والطاعة العمياء، وقطع عنهم كل هرمونات النقد والاعتراض أو الرفض، وفي الوقت عينه يدعو إلى الديمقراطيّة، كل ذلك جعل هذه الحاضنة الشعبيّة بمثابة العجينة الطيّعة المرنة التي يمكنها أن تقبل أيّ شيء يقوله ويفرضه أوجلان عليها واعتباره كلامًا منزلاً غير قابل للنقاش.
حالة من الرهاب والإرهاب المعنوي والجسدي يمارسه أوجلان على حزبه – سابقًا والآن – لا يمكن العثور على مثيل لها حتّى في الزمن الستاليني أو البول بوتي أو في كوريا الشماليّة. أوجلان الذي لم يكن ديمقراطيًّا في حياته، يثرثر كثيرًا عن الديمقراطيّة، ولا أحد من حاضنته يجرؤ على القول له: فاقد الشيء لا يعطيه يا سروكي سروكان – زعيم الزعماء!
خطورة نموذج الحل "الاندماج الديمقراطي" الذي يصرّ أوجلان على فرضه الهدف منه بتر الجذور التاريخيّة للشعب الكردي من أرضه التاريخيّة. ذلك أن مفهوم الاندماج ينطبق على اللاجئ أو المهاجر إلى بلد أجنبي، وليس على الكردي الموجود على أرضه منذ ما يزيد عن 5 آلاف سنة! الوجود التركي في كردستان طارئ ونتيجة غزو عمره في الحد الأقصى ألف سنة، بينما الوجود الكردي سابقه له بآلاف السنوات. والأجدى أن يندمج الأتراك في كردستان وليس العكس، كما يسعى أوجلان وباخشلي وأردوغان فرضه على الكرد. بمعنى آخر، مفهوم الاندماج ينطبق على الكردي الذي هاجر إلى أوروبا أو أمريكا، وليس على الكردي الموجود في تركيا وسوريا والعراق وإيران. يعني، لا يمكن للكردي أن يندمج في كيان لا يعترف به ويهضم حقوقه القوميّة كتركيا. والدعوة إلى ذلك هي دعوة صريحة إلى إبادة الكرد قوميًّا معنويًّا. فقبل أن يطالب أوجلان الكرد بالاندماج الديمقراطي في كيان لا يعترف بهم، عليه خلق جمهوريّة ديمقراطيّة حقيقيّة وأمّة ديمقراطيّة حقيقيّة في تركيا، وأخوّة شعوب راسخة داخل هذا البلد، كما هي الحال في البلدان الأوروبيّة، ثمّ فليطالب الكرد بالاندماج الديمقراطي.


حاصل هذه الأسطر، مشروع أوجلان منذ 1978 وحتّى 1999 كان مشروع تدميري تهجيري وتخريبي للكرد وكردستان اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا وديموغرافيًّا...، وقد نجح في ذلك إلى حدّ لا بأس به. بينما مشروع أوجلان منذ 2000 وحتّى الآن، الهدف منه الصهر والتذويب في تركيا وخدمتها والزج بالكرد في إسطبلات وحظائر خرافات وأوهام الأمّة الديمقراطيّة والجمهوريّة الديمقراطيّة المتخيّلة التي لا وجود لها إلاّ في خيال أوجلان المريض والمسموم والمهووس بمعاداة الدولة القوميّة الكرديّة.
أوجلان الآن، ورقة نقديّة لم تفقد قيمتها في بورصة مصالح تركيا. وحين كتبت في 8/5/2019 مقالاً بعنوان "هكذا تكلّم أوجلان الأردوغاني" كنت أعني ما أقوله.
وحين كتبت في 8/3/2024 مقالاً بعنوان "أوجلان أتاتوركيًّا وأردوغانيًّا" كنت أغني تمامًا ما قلته.
https://www.alaraby.co.uk/opinion/أوجلان-أتاتوركياً-وأردوغانياً
ويفرحني جدًّا أنّ موجة انتقاد وحتّى شتم أوجلان بدأت ترتفع، وأنّ وثن أوجلان قاب قوسين أو أدنى من التحطّم في الوعي السياسي والثقافي والشعبي عند الكرد. لكن ستبقى قطاعات وجماعات من الكرد مدمنة على الخرافات والأكاذيب الأوجلانيّة والدجل الأوجلاني – الطوراني، وترفض الاستيقاظ منها.